مجمع البحوث الاسلامية

415

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وذهب بعضهم إلى أنّ حصره كان بأنّه كان يمسك نفسه تقى وجلدا في طاعة اللّه ، وكانت به القدرة على جماع النّساء . قالوا : وهذا أمدح له ، وليس له في التّأويلين الأوّلين مدح ، إلّا بأنّ اللّه يسّر له شيئا لا تكسّب له فيه . [ واستشهد بالشّعر مرّتين ] ( 1 : 430 ) نحوه ابن الجوزيّ . ( 1 : 383 ) الطّبرسيّ : [ ذكر بعض الأقوال وأضاف : ] ومعناه : أنّه يحصر نفسه عن الشّهوات أي يمنعها . . . وقيل : الحصور : الّذي لا يدخل في اللّعب والأباطيل ، عن المبرّد . وقيل : هو العنّين ، عن ابن المسيّب والضّحّاك . وهذا لا يجوز على الأنبياء ، لأنّه عيب وذمّ ، ولأنّ الكلام خرج مخرج المدح . ( 1 : 438 ) الفخر الرّازيّ : الصّفة الثّالثة [ ليحى عليه السّلام : ] قوله : ( وحصورا ) ، وفيه مسألتان : المسألة الأولى في تفسير الحصور : الحصر في اللّغة : الحبس ، يقال : حصره يحصره حصرا ، وحصر الرّجل ، أي اعتقل بطنه ، والحصور : الّذي يكتم السّرّ ويحبسه ، والحصور : الضّيّق البخيل . وأمّا المفسّرون : فلهم قولان : أحدهما : أنّه كان عاجزا عن إتيان النّساء ، ثمّ منهم من قال : كان ذلك لصغر الآلة ، ومنهم من قال : كان ذلك لتعذّر الإنزال ، ومنهم من قال : كان ذلك لعدم القدرة . فعلى هذا الحصور « فعول » بمعنى « مفعول » كأنّه قال : محصور عنهنّ ، أي محبوس ، ومثله ركوب بمعنى مركوب ، وحلوب بمعنى محلوب . وهذا القول عندنا فاسد ، لأنّ هذا من صفات النّقصان ، وذكر صفة النّقصان في معرض المدح لا يجوز ، ولأنّ على هذا التّقدير لا يستحقّ به ثوابا ولا تعظيما . والقول الثّاني ، وهو اختيار المحقّقين : أنّه الّذي لا يأتي النّساء ، لا للعجز بل للعفّة والزّهد ، وذلك لأنّ الحصور هو الّذي يكثر منه حصر النّفس ومنعها ، كالأكول الّذي يكثر منه الأكل ، وكذا الشّروب والظّلوم والغشوم . والمنع إنّما يحصل لو كان المقتضى قائما ، فلو لا أنّ القدرة والدّاعية كانتا موجودتين ، وإلّا لما كان حاصرا لنفسه ، فضلا عن أن يكون حصورا ، لأنّ الحاجة إلى تكثير الحصر والدّفع إنّما تحصل عند قوّة الرّغبة والدّاعية والقدرة ؛ وعلى هذا : الحصور بمعنى الحاصر « فعول » بمعنى « فاعل » . المسألة الثّانية : احتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ ترك النّكاح أفضل ، وذلك لأنّه تعالى مدحه بترك النّكاح ، وذلك يدلّ على أنّ ترك النّكاح أفضل في تلك الشّريعة . وإذا ثبت أنّ التّرك في تلك الشّريعة أفضل ، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشّريعة بالنّص والمعقول : أمّا النّص فقوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ الأنعام : 90 ، وأمّا المعقول فهو أنّ الأصل في الثّابت بقاؤه على ما كان ، والنّسخ على خلاف الأصل . ( 8 : 39 ) القرطبيّ : ( وحصورا ) أصله من : الحصر وهو الحبس ، حصرني الشّيء وأحصرني ، إذا حبسني . وناقة حصور : ضيّقة الإحليل ، والحصور : الّذي لا يأتي النّساء ، كأنّه محجم عنهنّ ، كما يقال : رجل حصور وحصير ،